نذير حمدان
90
حكمة القرآن والحضارة
- في سياسة الحكام وحكمهم : وفي مقدمتهم الأنبياء الذين تتطلب منهم مسئولياتهم الحكم بالحق انبعاثا من الحكمة التي آتاهم اللّه بها ، ومن غير الحكم لا تتألق الحكمة بفضائلها ، ومن غير الحكمة لا تستقرّ الأحكام ولا تطمئن ولا تصل إلى أهدافها . فالحكام حكماء الناس ، والحكماء حكام العقول ، وهذا ما ينبغي أن يتحقق في الواقع ، وقد أخبر اللّه عن داود وسليمان عليهما السلام بحكمة حكمها في الحرث ( الأنبياء 78 ) ، ولذا فقد اقترنت بالملك العظيم لآل إبراهيم ( آل عمران 164 ) وتأييد اللّه ملك داود ، وتسخير الجبال والطير والريح لسليمان ( هود 20 ) . فالأنبياء يحكمون بحكمة اللّه ، والتبليغ شطر من هذا الحكم ، وبخاصة أولو العزم منهم ، والإصلاح غاية كبرى لكل واحد منهم ، وتحقيق السعادة لكل فرد من أقوامهم من أهداف حكمهم ودعوتهم . ويشترك الحكام الآخرون غير الأنبياء بهذه الخصال دعوة وإصلاحا وسعادة وإحقاقا للحق وإبطال الباطل ، فيأمر اللّه الحكام والقضاة بالحكم الصالح العادل ( النساء 58 ) وبخاصة عند الاعتداء على الأموال والأعراض ( البقرة 88 ) فهم المرجع الحكميّ القضائي ، الذي لا تستقيم حضارة بدونهم مثل ما أنها لا تستقيم حياة بالأحكام المنحرفة والقضايا الظالمة ، وهي مسألة حضارية جد خطيرة ، إذ كيف تستقيم حضارة بحكم الحمقى والمتحيزين وضعاف الخبرة والتجربة ، ومحدودي الأفق والمعرفة في تمييز الخصوم والإدراك السطحي للمسائل ؟ ومن حكمة السياسة المحافظة على حقوق الأمّة ، والمصداقية في الحكم والحزم في التطبيق والمضاء فيه . قال الحسن : إن اللّه اتخذ على الحكام ثلاثا : ألّا يشتروا به ثمنا قليلا ، ولا يتبعوا فيه الهوى ، ولا يخشوا فيه أحدا ، ثم تلا فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وقال وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا « 1 » ، ومن حكمة القضاء التمكن منه والقدرة عليه لاختيار أنسب الأحكام وأصحها وأعدلها وأحكمها ، فلا يقضي غضبان ولا جائع ولا محصور ولا مهموم ولا وجل ، حتى كان من صفاته كما قال عمر بن عبد العزيز أن يكون فهيما ، حليما ، عفيفا ، صليبا ( قويا ) ، عالما ، سئولا عن العلم « 2 » .
--> ( 1 ) ذكره ابن كثير ، وفي البخاري أحكام 13 / 146 بشرح ابن حجر ولكن بغير هذا الترتيب . ( 2 ) البخاري أحكام 13 / 146 السابق .